بقلم: د. غسان ناصر عبادي
– ارشيف الكاتب
الجمعة، 24 أبريل 2026م
في خطوة طال انتظارها، تم صرف رواتب شهر يناير لمنتسبي الجيش والأمن والمتقاعدين العسكريين بدون تسويات، بعد تأخير استمر أربعة أشهر، غير أن هذه الخطوة – على أهميتها – لم تشمل جميع المستحقين، إذ تم استثناء فئة تعاني من تهميش مزمن، وهي فئة المبعدين قسراً من العسكريين، الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة الاهتمام رغم أحقيتهم الكاملة.
لقد تعرض هؤلاء لظلم مركب عبر مراحل متعددة، بدءاً بإقصائهم من وظائفهم العسكرية وإجبارهم على البقاء خارج الخدمة، رغم سنوات طويلة من العطاء وخدمة الوطن، وصولاً إلى إعادتهم شكلياً وتسوية أوضاعهم المالية، قبل إحالتهم إلى التقاعد، ورغم هذه المعالجات الجزئية، لا يزالون اليوم يواجهون واقعاً أكثر قسوة، يتمثل في انقطاع رواتبهم لأربعة أشهر متتالية، دون مبررات واضحة أو حلول ملموسة.
وتتجسد أبعاد هذه القضية في تفاصيل إنسانية مؤلمة؛ فهؤلاء ليسوا مجرد أرقام في كشوفات، بل آباء وأرباب أسر يعتمدون بشكل كلي على هذه الرواتب المحدودة، أحدهم لم يعد قادراً على الحصول على دوائه بعد توقف الصيدليات عن منحه بالدَّين، وآخر اضطر إلى تقليص أبسط متطلبات أسرته، في ظل غياب أي مصدر دخل بديل، إنها معاناة يومية تتفاقم مع مرور الوقت، في صمت لا يليق بحجم التضحيات التي قدموها.
الأمر الأكثر إثارة للتساؤل هو التفاوت الواضح في آليات الصرف، ففي الوقت الذي استلمت فيه معظم مؤسسات الدولة رواتب شهر مارس، وصُرفت رواتب المتقاعدين المدنيين حتى لشهر مايو القادم، لا يزال هؤلاء ينتظرون مستحقاتهم المتأخرة منذ يناير، وهو ما يعكس خللاً في معايير العدالة، ويطرح تساؤلات جدية حول أسباب هذا الاستثناء غير المبرر.
إن هذه الفئة، التي أفنت أكثر من أربعة عقود في خدمة الوطن، تقف اليوم في مرحلة عمرية حرجة تستوجب الرعاية والإنصاف، لا الإهمال والإقصاء، وإن استمرار تأخير مستحقاتهم لا يمس فقط أوضاعهم المعيشية، بل ينعكس سلباً على كرامتهم الإنسانية ويقوض الثقة بمؤسسات الدولة.
وعليه، فإن معالجة هذا الملف لم تعد خياراً، بل ضرورة ملحة تستدعي تحركاً عاجلاً من الجهات المختصة لصرف كافة الرواتب المتأخرة، ووضع آلية عادلة تضمن انتظام الصرف مستقبلاً، بما يكفل إنهاء معاناة هذه الفئة وإنصافها بما يليق بتاريخها وتضحياتها.
