البصل يبكي على الحدود .. حين تتحول الجمارك من بوابة عبور إلى سيف ابتزاز .

كتب/ فؤاد داؤد
الثلاثاء 11 ذو القعدة 1447ه
الموافق 28 أبريل 2026م

ليس أشد على الوطن من أن يتحول منفذه إلى مقصلة ، و أن يصبح جمركه جلادًا لأبنائه قبل غيرهم .. هذا هو لسان حال المزارعين و المصدرين للبصل في محافظة لحج ، الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت ، و هم يرون عرق جبينهم يُذبح على أعتاب منفذ شحن بغرامات لا يعرفها قانون و لا يقرها منطق .

و بهذا الصدد يشكو مصدرو البصل في لحج من إجراءات تعسفية يمارسها جمرك منفذ شحن، حيث تُفرض عليهم غرامات مالية باهظة تحت ذرائع واهية : ” العدد ناقص ” ، ” الميزان غير مضبوط ” ، ” الحمولة مخالفة ” .

و المفارقة الصادمة ، و الصفعة التي تدمي وجه السيادة الوطنية : أن هذه الحمولة ذاتها، بنفس العدد و نفس الميزان، تعبر منافذ سلطنة عمان و الإمارات دون أن تُفرض عليها فلس واحد ، و دون أن يوقفها أحد .. فهل أصبحت ميازين الأشقاء أدق من ميازيننا ؟ أم أن قوانينهم أرحم من قوانيننا ؟

الحقيقة المرة : أن حمولة البصل سليمة ، و الإجراءات مضبوطة ، و المخالفة ليست في الميزان ، بل في ” ميزان الضمير ” عند من يفتش .

و لذا فأن ما يحدث في منفذ شحن ليس ” تطبيق قانون ” ، بل ” ليّ ذراع ” .. و ليس ” ضبط مخالفة ” ، بل ” صناعة مخالفة ” .. فالمزارع الذي سهر الليالي ، و روى الأرض بعرقه ، و اقترض ليزرع ، يُفاجأ بأن حصاد عمره يُصادر بقرار قلم ، و أن تعب السنين يُسرق تحت مسمى ” غرامة ” .

هذه الغرامات ليست مجرد أرقام ، بل هي بيوت تُهدم ، و ديون تتراكم ، و أسر تُشرد .. هي ضربة قاصمة لظهر الاقتصاد الزراعي ، و طعنة في خاصرة الأمن الغذائي ، و رصاصة في صدر كل من يفكر أن يستثمر في هذه الأرض .

و نتيجة لذلك يضع مزارعو و مصدرو البصل في لحج عدة أسئلة ساخنة على طاولة رئيس مصلحة الجمارك من أبرزها :-

1. إذا كانت الحمولة تعبر منافذ ثلاث دول دون مخالفة، فكيف تصبح ” مخالفة ” عند منفذ شحن وحده ؟ هل اكتشف جمرك شحن ما عجزت عن اكتشافه جمارك المنطقة كلها ؟
2.- هل القانون يُطبق على أبناء لحج وحدهم ، و يُعطل عند غيرهم ؟ أم أن ” الميزان ” في شحن له كفة تميل مع الهوى ؟
3. أليس من العار أن يكون المنفذ اليمني هو الأقسى على اليمني، بينما منافذ الغير تفتح له الذراعين ؟

و منن هنا، يرفع المزارعون و المصدرون مناشدة عاجلة إلى رئيس مصلحة الجمارك : أوقفوا هذا النزيف .. وجهوا العاملين في جمرك منفذ شحن بإلغاء تلك الغرامات الجائرة فورًا .. فالاستمرار فيها يعني قتل ما تبقى من الزراعة ، و تهجير ما تبقى من المزارعين ، و دفعهم إلى رمي محاصيلهم في البحر بدلًا من تصديرها .

الوطن لا يُبنى بجباية ظالمة، و الخزينة لا تُعمر بإفقار الناس . فالدولة التي تأكل أبناءها ، لا يبقى لها من يبنيها .. و الجمرك الذي يتحول إلى قطاع طرق ، يفقد هيبته قبل أن يفقد إيراداته .

إن جمرك منفذ شحن يجب أن يكون بوابة خير، لا نافذة جباية . يجب أن يكون يدًا تشجع المصدر ، لا سوطًا يجلد ظهره .. فالبصل الذي يخرج من لحج ليس مجرد سلعة ، بل هو رسالة تقول : ” مازلنا نزرعو.. مازلنا نصدر .. مازلنا نقاوم رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها ” .

فلا تقتلوا هذه الرسالة بغرامة . و لا تذبحوا الفلاح الذي أطعمكم . و لا تجعلوا المزارع يلعن اليوم الذي قرر فيه أن يزرع في أرضه .

فالتاريخ لا يرحم من يقطع شريان اقتصاده بيده .. و الشعوب لا تنسى من صادر لقمة عيشها باسم القانون .

ارفعوا الظلم .. فالبصل يبكي ، و المزارع يشكو ، و الوطن يخسر .

Exit mobile version