ما أخفاه القصيص بايظهره المقدح .. إن طف و إلا ردح لابد ما يظهر الصح

كتب/ فؤاد داؤد
الثلاثاء 11 ذو القعدة 1447ه
الموافق 28 أبريل 2026م

المثل الشعبي مرآة التجربة ، و خلاصة الحكمة التي طبختها الأيام على نار الواقع .. و من أبلغ ما قالته العرب في جنوبنا : ” ما أخفاه القصيص بايظهره المقدح .. إن طف و إلا ردح لابد ما يظهر الصح” .

فالقصيص يستر .. و لكن المقدح يكشف ، و ذلك القصيص هو القدر المغلق بإحكام ، لا تدري ما يُطبخ في جوفه . قد يكون لحمًا سمينًا يُطعم الجياع ، و قد يكون عظمًا أجرد يُخدع به الناظرون .. الغطاء ثقيل ، و البخار يتصاعد ، و الصمت يلف المكان، لكن الحقيقة غائبة عن العيون .
أما المقدح ، فهو المغرفة التي لا تكذب. هي التي تغوص في عمق القصيص ، و تُقلب ما استتر ، و تُخرج إلى السطح ما كان خافيًا .. فإذا غرفت ، عرف الجميع : أهو لحم يُشبع ، أم ماء يُخادع ، أم عظام تُرمى ؟

و هكذا شأن الأوطان. كم من قصيص أُغلق على الشعب ، و مُنع الناس من معرفة ما يُطبخ لهم في دوائر القرار .. صفقات تُبرم في الظلام ، و اتفاقات تُطهى خلف الأبواب الموصدة ، و سياسات تُغلى على نار المصالح الضيقة .. و يُقال للناس : ” اصبروا.. انتظروا .. ستأكلون ” .. لكنهم لا يعلمون : أيُطبخ لهم لحم أم يُغلى لهم الوهم ؟

هذه هي الحقيقة ، فإن طف ما في القدر ة إلا ردح ، فالمغرفة لا ترحم ، لأن المقدح لا يُخدع بالضجيج و لا بالصمت .. فالمعرفة مغرفة ، و الوعي مغرفة ، و الزمن مغرفة ، و الشعب إذا صحا صار مقدحًا من حديد .. يغرف في قاع القصيص المغلق ، و يُخرج المخبوء للشمس .. و حينها تُعرف الطبخة : أشرف يُفتخر به ، أم عار يُستحى منه .

فيا من تُغلقون القصيص على الشعب ، تذكروا أن الغطاء لا يدوم ، وأن النار لا تُطفأ إلى الأبد .. فالشعب قد يصبر على الجوع ، لكنه لا يصبر على الغموض .. قد يرضى بالقليل ، لكنه لا يرضى أن يُطبخ مصيره في قدر لا يرى ما فيه .

الوطن ليس قصيصًا مغلقًا تملكون مفتاحه وحدكم .. و القرار ليس طبخة سرية تُمنع عن أهلها .. فمن حق الناس أن يعرفوا: ماذا يُطبخ لهم ؟ أهو لحم التنمية أم عظام الفساد ؟ أهو مرق الكرامة أم ماء التبعية ؟ أهو خبز السيادة أم فتات المساعدات ؟

أن المقدح هو وعي الناس .. فلا تستهينوا به ، حيث أنه اليوم ، المقدح هو الإعلام الحر الذي يغرف الحقيقة من قاع التعتيم .. هو المواطن الذي يسأل و يُحاسب و لا يقبل أن يُقال له ” كُلْ و اسكت ” .. هو القضاء الذي يمد يده إلى قاع القصيص ليُخرج الملفات المغلقة .. هو التعليم الذي يصنع أجيالًا تعرف كيف تكشف الغطاء قبل أن تمد يدها للأكل .

فمن أراد أن يطبخ للوطن ، فليطبخ في النور .. و ليجعل قصيصه زجاجًا شفافًا يرى منه الناس كل شيء .. لأن من يطبخ في الظلام ، فهو يتهم نفسه قبل أن يتهمه أحد .. و من يخشى المقدح ، ففي قدره ما يخشى ظهوره .

أجل ، أن الصح سيظهر .. و لو بعد حين .. فإن طف و إلا ردح لابد ما يظهر الصح ، هذه ليست أمنية ، بل قانون .. فالتاريخ مقدح لا ينام . و الأيام تغرف من كل قصيص أُغلق على ظلم .. و الشعوب ، و إن تأخرت، لابد أن تمد يدها يومًا إلى المغرفة و تكشف الغطاء .

فلا تفرحوا بإحكام الإغلاق ، و لا تغتروا بثقل الغطاء .. فما في القدر لابد أن يُعرف .. فإن كان لحمًا ، حمدكم الناس وشكروكم . و إن كان غير ذلك، بصق التاريخ في وجوهكم ، و لفظتكم ذاكرة الأوطان .

فافتحوا القصيص قبل أن يكسره المقدح .. و اكشفوا الطبخة قبل أن تفوح رائحتها . لأن الصح لا يُدفن ، و الحق لا يُغطى ، و الشعب ليس أعمى .

و المقدح قادم .. إن اليوم أو غدٱ .. لابد ما يظهر الصح .

Exit mobile version