شجرة الحرية لا تنكسر
أحمد حرمل / دار العرائس
هناك شجرٌ لا تزيده الضربات إلا عطراً.
ترفع فأسك لتقطعَه، فيُهديك روحَه.
تجرحه، فيجود عليك بما أخفاه من طيب.
هكذا بعض البشر.
تخذلهم، فيزيدونك مروءة.
تُسقطهم من حساباتك، فيرفعونك بأخلاقهم.
تُقابل إحسانهم بجحود، فيقابلونك بابتسامة لا تشبه جرحك.
الشجرة لا تملك أن تغير طبيعتها.
والنبيل كذلك.
أصله لا يسمح له أن يرد الإساءة بمثلها، ولا أن يُخرج من قلبه إلا ما غُرِس فيه.
لكن احذر ، ولا تظن أن طيبهم أبدي.
فالطيبة إن أُهينت، تتحول سيفًا.
والصبر إن استُزِف، انقلب غضبًا.
والشجرة إن سقطت، صارت حطبًا تؤلمك جمرته، لا أريجًا يرضيك.
فإن صادفت من إذا ضربته فاح عطراً… فأمسك يدك.
لعله آخر ما بقي من إنسانيتك.
هكذا هي شجرة الحرية في الجنوب.
تتعب اليد التي تحمل الفارس التي يضربها ، ولا يتعب الجذر.
تتعب اليد التي تحمل معول الهدم، ولا يتعب الجنوب.
هكذا قال التاريخ.
كم رُفعت عليه الفؤوس؟ وكم حاولوا اقتلاعه من جذوره؟
كلما تعبت يد، استبدلوها بأخرى.
وكلما تكسر معول، أعادوا شحذ آخر.
أما الجنوب فلا تعب يمسه، ولا يأس يدنو منه.
ليس حجراً ولا جسداً فقط.
بل عطر يقيم في الروح، ونبض لا توقفه الضربات.
مليونية الأمس مهما اختلفنا في التفاصيل الا انها بجماهيريتها الواسعة والحضور المنقطع النظير كانت خير شاهد.
خرجوا وهم على يقين بان شجرة الحرية التي ارتوت بماء الشهداء الطاهرة جذورها ضاربة في اعماق الارض .
تعب من هدموا، وتعب من حلموا بالهدم.
لكن الشجرة هناك… ما زالت تفوح.
قد تنهك أيادي الهدم، وتتفتت أدوات الكسر، وتكل خناجر التهديد، وتجف الأحبار من الوعيد.
أما ما في أعماق الجنوب… فلا تبلغه أذاهم ولا تصل إليه مكائدهم.
ليس بعريضة تُرفض، ولا باسطوانة تُسكت. بل هو إرْث لا يُمحى، وحق لا يُباع.
بل أصل راسخ، ونبيل لا يعرف إلا النبل.
لكن… لا تجعل من عبير الشجرة الفواح مبررًا لاستمرار ضربها بفأسك.
فشجرة الحرية مهما أوجعتها، تبقى جذورها ضاربة في الارض تحمل وعدًا غيرها.
تقطع واحدة، فتنبت أخرى.
والصبر… وإن كان جنوبياً، له حدود لا تراها العين.
فإن رأيت يداً مرفوعة بالهدم وقد بدأ يخونها الرجَفان…
ووجدت الشجرة ما تزال شامخة تفوح…
فاعلم أن النهاية اقتربت.
ليس لأن الشجرة ستسقط…
بل لأن الفأس الهدم سينكسر يوماً، ولن يجد يداً تحمله .
