عيد بلا ملامح .. حين يأتي عيد الأضحى فيغيب وجهه عن الناس!

كتب/ فؤاد داؤد
الثلاثاء ،10 ذي الحجة 1447ه
الموافق 27 مايو 2062م

أي عيد هذا الذي لا يتجسد فيه أي مظهر من مظاهر العيد ؟
سؤال يخرج من بين الشفاه كهمسة مكسورة ، لا يجد له صدى إلا في وجوه أرهقها العناء ، و في شوارع صامتة لم تعتد الصمت .

أتانا عيد الأضحى هذا العام خارج إطار المألوف .. جاء باسمه الكبير ، لكنه وقف على أعتاب البيوت خجولاً ، عاجزاً عن أن يطرق الباب ..
لا ابتسامة مرسومة على شفاه الأطفال ، و لا فرحة تغمر قلوب أرباب و ربات الأسر ، و لا زينة معلقة في الشوارع أو تزين واجهات المحلات التجارية .. حتى التكبيرات التي كانت تملأ الفضاء حماسة وحياة ، بدت هذا العام مترددة ، كأنها تخشى أن توقظ جرحاً لم يلتئم .

فالعيد ليس تواريخ على التقويم ، و لا ذبائح تُذبح على عجل .. العيد حالة وجدانية ، و ميثاق غير مكتوب بين الإنسان و فرحه .. و حين تغيب الزينة من الشوارع ، و تغيب البسمة من الوجوه ، فإن ما غاب في الحقيقة أعمق من المظهر : لقد غاب الشعور بالأمان ، غابت الطمأنينة ، غابت القدرة على أن يفرح الإنسان بلا حساب .

أن كل شيء في الحياة اليوم يبدو واجماً حزيناً ، ترسم خطواته علامات البؤس و الشقاء .. السوق صامت ، و البيوت مغلقة على همومها ، و الآباء يحسبون الحساب ألف مرة قبل أن يشتروا لأطفالهم ثوباً أو حلوى .

نعم ، فحين يتحول العيد إلى تذكير بالعجز المؤلم ، فإن العيد لم يعد مناسبة للجبر ، بل صار مرآة تعكس العجز ، حيث يقف رب الأسرة أمام أطفاله عاجزاً عن تفسير لماذا لم يأتِ العيد هذه المرة كما يأتي كل عام .. كيف يقول لهم إن الفرح مؤجل ، و إن الابتسامة صارت ترفاً لا يليق بجيب خاوٍ و بطن جائع ؟

و حين يفقد الأب قدرته على إدخال السرور إلى بيته ، فإن العيد نفسه يفقد جزءاً من قدسيته .. فالعيد في جوهره رسالة رحمة ، و إذا غابت الرحمة عن الواقع ، تحولت الشعيرة إلى طقس فارغ يؤديه الجسد بينما الروح غائبة .

و من هنا نقولها بكل وضوح أن الدلالة التي لا تحتمل التجميل .. أن هذا العيد يقول الحقيقة بلا مواربة : إن الأمة التي لا تقدر على أن تُفرح أطفالها ، لا تقدر على أن تحفظ هيبتها ، و إن المجتمع الذي يسمح للغلاء و الجشع و التقصير أن يسرقوا ملامح العيد ، هو مجتمع يفرط في روحه قبل أن يفرط في مادته .

لأن العيد ليس امتحاناً للعبادة وحدها ، بل امتحان للضمير الجمعي .. امتحان للدولة و المجتمع و التاجر و المواطن : هل نحن قادرون على أن نعيد للإنسان كرامته ، فتعود للعيد ملامحه ؟

و لهذا فأن عيد الأضحى هذا العام ليس يوم فرح بقدر ما هو يوم مواجهة .. مواجهة مع واقع قاسٍ ، و مع سؤال أخلاقي لا يحتمل التأجيل : هل نرضى أن يمر العيد تلو العيد و الناس على هذه الحال ؟ أم أن الوقت قد حان لنعيد الاعتبار للإنسان، فنعيد الاعتبار للعيد ؟

فإذا لم تتغير ملامح الوجوه ، فلن تتغير ملامح العيد .. و إذا لم يعد الفرح إلى البيوت ، ستبقى التكبيرات مجرد صدى يتردد في فضاء خالٍ من الحياة .

اللهم اجعل هذا العيد بداية انفراج ، لا خاتمة وجع .

Exit mobile version