“لا تتطوع مع العدو، فالثرثرة سلاح يُطلق على صدرك قبل صدر خصمك!”

كتب/ فؤاد داؤد
الثلاثاء ، 8 محرم 1448ه
الموافق 23 يونيو 2026م
الساعة : 4:59 م

في زمن الحرب، تصبح الكلمة رصاصة ، و الصمت خندقًا .. أما الثرثرة ، فهي خيانة مجانية يقدمها الأحمق لعدوه على طبق من ذهب .. و التاريخ لا يرحم من فتح فمه حين كان يجب أن يُغلقه .

إن أخطر ما يهدد الجبهة الداخلية ليس دبابات العدو ، بل ألسنة أبنائها ، فالعدو اليوم لم يعد يرسل جواسيسه لاختراق صفوفنا ، لأنه اكتشف أن بيننا من يتطوع بالمهمة بلا مقابل ، يتطوع بلسانه ، بمنشوراته ، بتحليلاته الفارغة ، بمعلوماته التي يظنها ” سبقًا صحفيًا ” و هي في الحقيقة ” تصريح قتل ” يُقدم للخصم ، فالثرثار لا يخون وطنه بخنجر ، بل يخنقه بحبل من كلمات ، و إن العدو ليجلس في غرفة عملياته يضحك ، و جنوده من بني جلدتنا يزودونه بالتقارير لحظة بلحظة دون أن يدري .

نعم ، فليست كل الحقيقة تُقال .. و ليس كل ما يُعرف يُذاع ، إذ أن بعض القضايا لا تُدار بالميكروفونات ، و لا تُحسم بالمنشورات ، فهناك معارك تُخاض في الظل ، و قرارات تُطبخ على نار هادئة ، و ملفات لو نُشرت في غير وقتها صارت وقودًا صللعدو وحبل مشنقة للصديق ، و لهذا فأن الحكمة ليست في كثرة الكلام ، بل في معرفة متى تصمت .. فالصمت في موضعه بلاغة ، و الكلام في غير وقته حماقة . و من ظن أن ” الشفافية ” تعني أن يكشف ظهر جيشه للعدو ، فهو إما جاهل أو خائن ، حيث أن الأسرار أمانات ، و من خان الأمانة خان الوطن ، و من أفشى السر باع الأرض .

و لهذا فأن التطوع مع العدو يبدأ بكلمة .. و ينتهي بوطن ، فلا أحد يولد خائنًا ، لكن الخيانة تبدأ بخطوة ، و غالبًا ما تكون هذه الخطوة كلمة تبدأ بـ ” أنا أعرف معلومة ” ، ثم ” سأحلل الموقف ” ، ثم ” سأنتقد لنُصحح ” ، و تنتهي بأنك قدمت للعدو خارطة طريق مجانية لضربك ، فالعدو لا يريد منك أن تحمل السلاح ضده ، يكفيه أن تثرثر حتى تُسقط سلاح أخيك ، حيث أن كل كلمة تنشرها عن خلاف داخلي ، عن نقطة ضعف ، عن تحرك ميداني ، هي رصاصة لم تكلف العدو ريالًا واحدًا .. و الكلمة التي تخرج من فمك لا تعود ، لكنها تعود على شكل صاروخ في صدور إخوانك .

فلندرك تمامٱ أن الثرثرة .. خنجر في خاصرة المعركة ومقبرة للانتصار ، إذ إن القضايا المصيرية لا تُناقش في المقايل ولا تُحل في التعليقات ، و إنما لها رجالها، وتوقيتها، وأدواتها ، و من نصب نفسه ” خبيرًا استراتيجيًا ” على كل شاردة و واردة، فقد نصب للوطن فخًا ، إن الجبهات لا تنهار بالمدافع فقط ، بل تنهار عندما يتحول كل مواطن إلى ” ناطق رسمي ” و ” محلل عسكري ” و ” مُسرب أسرار ” . عندها ، لا يحتاج العدو أن يتجسس ، بل يكفيه أن يقرأ ، فالثرثرة ليست مجرد كلام ، بل هي تفكيك منظم للصف ، و تعرية متعمدة للظهر ، و هدية مسمومة تُقدم للقناص كي يختار هدفه بدقة .

إن اللسان المنفلت .. أخطر من العميل المزروع ، حيث إن العميل المزروع قد يُكتشف ، لكن الثرثار المتطوع لا يشك فيه أحد لأنه ” منا “. و هذا أشد فتكًا ، فهو يهدم البيت بمعول ” الغيرة ” و ” النصيحة ” و ” حرية الرأي ” . و ما علم أن حرية رأيه تنتهي حيث تبدأ سلامة وطنه .. إن الكلمة في الحرب ليست وجهة نظر ، بل موقف . و الموقف إما أن يكون خندقًا مع وطنك ، أو مترسًا مع عدوك ، و لا منطقة رمادية بينهما .

فاكبح لسانك.. تنصر وطنك .. و احرس فمك كما تحرس حدودك ، لأن الانضباط ليس في حمل البندقية فقط ، بل في لجم اللسان أولًا .. فالمعركة اليوم معركة وعي ، وعدونا يتربص بكلمة. يريد أن يعرف كيف نفكر ، و بماذا نختلف ، و أين نتألم. فلا تكن أنت من يعطيه التقرير المفصل . لا تتطوع له .. لا تمنحه ما عجز عن أخذه بالحرب. فإن الرصاصة تقتل رجلًا ، أما الكلمة فتقتل جيشًا .

و لذا فعليك أن تصمت حيث يجب الصمت ، و تتكلم حيث يجب الكلام .. فالثرثرة في زمن الحرب ليست حرية رأي ، بل طلقة في ظهر الوطن . و من لم يحرس لسانه ، لن يحرس أرضه .. و من لم يملك مفتاح فمه ، سلم مفاتيح مدينته للعدو .

فالمعركة لا تحتمل هواة الكلام .. فإما أن تكون جنديًا في صف الصمت الحكيم ، أو ستجد نفسك متطوعًا في جيش العدو و أنت لا تدري . و التاريخ يكتب أسماء الشهداء بحبر من نور، وأسماء الثرثارين بحبر من عار .

Exit mobile version