كتابات

وداع رَمَضانَ: هل انتهى الشهر أم بدأت الرحلة؟

دار العرائس / القاضي أنيس صالح جمعان

يُطوى شهرُ رمضانَ صفحاتِه، ويُسدَل الستار على أيامه المباركة، بعد أن كان ضيفاً عزيزاً حلّ على القلوب فطهّرها، وعلى الأرواح فأحياها، وعلى النفوس فأعاد ترتيب أولوياتها بين الدنيا والآخرة. يمضي سريعاً كعادته، لكنه يترك وراءه أثراً لا يُقاس بالأيام، بل بما غرسه فينا من إيمان وطمأنينة.

​وداعاً يا شهر القرآن والرحمة… وداعاً يا موسم القرب من اللَّه، يا زمن السكينة والدموع الخاشعة والدعوات الصادقة. رحلت، ولكنك لم تغب، فقد بقيت فينا دروسك، واستقر نورك في أعماق القلوب.

وقفة مع الذات

في لحظة الوداع هذه، يجدر بنا أَنْ نقف مع أنفسنا وقفةً صادقة، نتأمل فيها ما تركه رَمَضانَ في قلوبنا من أثر، وما غرسه فينا من معانٍ لا تزول. رَمَضانَ ليس مدرسة فردية فحسب، بل هو موسم جماعي تتجلى فيه أسمى صور التكافل؛ ففيه تلتقي القلوب على موائد الإفطار، وتتعانق الأرواح في صلاة التراويح، ويشعر الغني بحاجة الفقير، فيمدّ إليه يده بالعطاء.

مدرسة الوفاء

إذا علّمنا رَمَضانَ الصبر والعودة إلى اللَّه، فقد علّمنا أيضاً أن نكون جسداً واحداً، نتراحم ونتعاون. ومن الوفاء لرَمَضانَ أَنْ نحمل هذه الروح معنا بعد رحيله:
. نستمر في قراءة القرآن الكريم.
. نحافظ على صلة الرحم.
. نثبت على الصدقة والقيام ولو بركعتين، ليبقى أثره حيّاً في حياتنا اليومية.

​​هل تغيّرت قلوبنا؟ هل استقامت جوارحنا؟ هل تعلّمنا الصبر الحقيقي والتقوى التي من أجلها شُرع الصِّيَامُ؟

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).[البقرة: 183]. فهل حققنا هذه الغاية؟

معيار الصدق

​إنَّ انتهاء رَمَضانَ لا يعني انتهاء الطاعة، بل هو بداية الاختبار الحقيقي؛ فالثبات بعد المواسم هو معيار الصدق، والاستمرار في القرب هو علامة القبول. وقد قال السلف: “إنَّ من علامات قبول الطاعة، التوفيق للطاعة بعدها”.

​رَمَضانَ مدرسة إيمانية متكاملة، علّمنا فيها الصبر، وضبط النفس، ومجاهدة الشهوات، والإحساس بالفقراء، والعودة الصادقة إلى اللَّه. فمن خرج من هذه المدرسة كما دخلها، فقد فاته الكثير، ومن خرج منها بقلب جديد، فقد فاز وربح.

ختام المسك: دعاء وعهد

وداعاً رَمَضانَ… يا شهر القرب والسكينة، يا من أيقظت فينا أجمل ما فينا. رحلت وستبقى في القلب حنيناً لا يهدأ، وشاهداً على أيام كانت فيها الأرواح أقرب إلى السماء.

​اللَّهُمَّ تقبّل منا صيامنا وقيامنا، واغفر ذنوبنا، واعتق رقابنا من النار، واجعلنا ممن صام الشهر إيماناً واحتساباً، وفاز بالأجر والرضوان.

​اللَّهُمَّ لا تجعله آخر العهد من صيامنا لشهر رَمَضانَ، وأعده علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في أحسن حال.

​اللَّهُمَّ ارزقنا حُسن الصِّيَامُ وحُسن الختام، وثبّتنا بعد رَمَضانَ على الطاعة والاستقامة.

​اللَّهُمَّ اجعلنا ممن خرج من رَمَضانَ بذنوبٍ مغفورة، وعيوبٍ مستورة، وقلوبٍ بنورك منصورة. ​فإن رحل رَمَضانَ، فإن ربّ رَمَضانَ باقٍ، والطريق إليه مفتوح لا ينقطع. باسم اللَّه تبدأ رحلة الثبات، وبإذنه نستمر على الصراط.

​تقبّل اللَّه طاعاتكم، وكل عام وأنتم بخير.

القاضي أنيس صالح جمعان
٣٠ رمضان ١٤٤٧ هـ الموافق ١٩ مارس ٢٠٢٦م
https://www.facebook.com/share/p/18NaagM1mq/

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى