رجال الميدان لا المنصات .. مراد سيف جوبح .. حين يصبح المدير العام شيخ قبيلة و قائد دولة في آن واحد

كتب/ فؤاد داؤد
الأحد، 26 أبريل 2026م
في زمن كثر فيه مدراء المكاتب و قلّ فيه رجال الميدان ، و في عصر تصدرت فيه الميكروفونات و غابت فيه المواقف ، يبرز اسم الشيخ مراد سيف جوبح مدير عام مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، كاستثناء يفرض نفسه ، و كقاعدة تقول : “الرجال أفعال لا أقوال ، و القيادة ميدان لا منصب ” .
و لهذا لم تأتِ ريادة مديرية المضاربة ورأس العارة من فراغ ، و لم تُمنح في قرعة .. فالمديريات لا تتصدر بالقرارات الورقية ، بل بالأقدام التي تمشي في ترابها ، و بالعيون التي تسهر على همومها ، و بالعقول التي تُدير أزماتها بحنكة .
لقد استطاع الشيخ مراد سيف جوبح ، بحنكته السياسية و الإدارية و خبرته العملية المتراكمة ، أن يحوّل المديرية إلى نموذج يُحتذى .. فهو لا يدير من خلف المكاتب المغلقة ، بل من قلب الشارع ، و من عمق الجبهات ، و من وسط الناس .. هو المدير الذي إذا نزل المطر كان أول المتفقدين ، و إذا اندلع الحريق كان أول الواصلين ، و إذا اشتعلت فتنة كان أول المتدخلين .
و لهذا كانت مديرية المضاربة و رأس العارة المديرية الأولى .. لأن مديرها أول من يصل، و آخر من يغادر .
إن شيخ القبيلة و رجل الدولة .. معادلة الإصلاح الصعبة ، إذ أن القيمة الحقيقية للرجال لا تُقاس بعدد المشاريع التي افتتحوها ، بل بعدد الدماء التي حقنوها .. و هنا يتجلى المعدن النفيس للشيخ جوبح .. فلم يكتفِ بدور “المدير العام” ، بل حمل على عاتقه دور “شيخ الإصلاح”، و”حكيم القبيلة”، و “رجل الدولة”.
و حين نشبت الحرب بين قبائل الوازعية و المقاومة الوطنية ، و احتقن الدم ، و تطاير الشرر ، و كادت النار أن تأكل الأخضر و اليابس ، لم يقف متفرجًا .. و لم ينتظر التعليمات من أخد .. بل نزل بنفسه ، بثقله القبلي و حكمته ، و بحكمته الإدارية ، ليقف سدًا منيعًا بين البنادق .
فأطفأ نار الفتنة ، و حقن الدماء ، و حل المشاكل من جذورها .. لا بهدنة مؤقتة ، بل بحل جذري كُتب له أن يكون “إلى الأبد” .. و هذه هي بطولة الرجال : أن تدفن الفتنة لا أن تؤجلها ، و أن تبني السلام لا أن ترقع الحرب .
فلمثل هؤلاء الرجال تُرفع القبعات .. و يكتب التاريخ ، حيث إن الرجولة مواقف ، و القيادة تضحية ، و المشيخة حكمة .. و الشيخ مراد سيف جوبح جمعها كلها في رجل واحد .. فهو المدير الذي لم تسكره السلطة ، و الشيخ الذي لم تستعبده القبيلة ، و القائد الذي وضع أمن مديريته و سلام أهلها فوق كل اعتبار .
هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعرفها الجميع ، ففي زمن المتاجرة بالحروب ، اختار أن يتاجر بالسلام .. و في زمن الاستثمار في الدم ، اختار أن يستثمر في حقنه .. و في زمن الهروب من المسؤولية ، اختار أن يحملها كاملة على كتفيه .
لمثل هؤلاء الرجال تُرفع القبعات إجلالًا ، و تنحني الهامات احترامًا . و لمثل هذه المواقف تُفتح صفحات التاريخ أنصعها ، ليُسجل فيها اسم “مراد سيف جوبح” بأحرف من نور ، كأحد الذين حفظوا الأرواح حين استرخصها الآخرون لسبب أو لآخر ، و بنوا الأوطان حين هدمها العابثون دون وعي أو إدراك .
إن تجربة الشيخ جوبح تقول لنا : إن نجاح الإدارة في مناطق التماس القبلي لا يكون بالقرارات الصماء ، بل بالرجال الذين يفهمون لغة القبيلة و قانون الدولة معًا .. الذين يستطيعون أن يكونوا جسرًا بين العرف و النظام ، بين البندقية و القلم ، بين الثأر و العدالة .
فالمدير الناجح اليوم هو من يملك “مقدح الحكمة” ليغرف به من “قصيص الفتن” قبل أن يفور .. و هو من يعرف متى يكون رجل دولة بصرامته ، و متى يكون شيخ قبيلة بحكمته .
فتحية إكبار و إجلال للشيخ مراد سيف جوبح .. و له منا كل التقدير و الاحترام .. فقد أثبت أن المنصب تكليف لا تشريف ، و أن المشيخة مسؤولية لا وجاهة ، و أن الرجال يُعرفون في الشدائد لا في الولائم .
و سيكتب التاريخ أن في لحج رجالًا ، إذا تكلمت المدافع ، أسكتوها بالحكمة .. و إذا نزف الوطن ، ضمدوه بالمواقف ..

