كتابات

عيد بلا فرح .. حين يأتي الأضحى على وجوه مكفهرة و جيوب خاوية !

كتب/ فؤاد داؤد
الإثنين ،25 مايو 2026م

يهل علينا عيد الأضحى المبارك ، فإذا بالوجوه التي اعتادت أن تستقبله بالبشر ، تقابله اليوم بحزن مكفهر .
آباء و أمهات تنطفئ في أعينهم ملامح العيد قبل أن يبدأ ، و أطفال لا تعرف شفاههم طعم الابتسامة ، كأن الفرح صار ترفاً لا يليق بزمنهم .

فالغلاء لم يعد رقماً في السوق ، بل أصبح سيفاً مسلطاً على رقبة كل بيت ..
أسعار الأضاحي بلغت حداً يجعل التضحية حلماً بعيداً عن أكثر الناس .. ملابس الأطفال صارت عبئاً ، و المواد الغذائية الأساسية تحولت إلى معركة يومية لا تُحسم إلا بالتنازل عن ضرورة في مقابل ضرورة أخرى .

حتى الشعائر التي يُفترض أن تجمع الناس على مائدة واحدة ، صارت تُفرّق بين من يستطيع و من لا يستطيع، فتنكسر المعاني قبل أن تُذبح الأضحية ..
و هكذا يتحول العيد من موسم للتكافل إلى مرآة تكشف الفجوة بين من يضحّي و من يُضحّى به .

رواتب تتأخر .. و عملة تنهار .. و حياة تتداعى
في الجهة المقابلة ، يقف المواطن أمام واقع لا يرحم : انهيار متسارع للعملة، وتدني فاضح في المستوى المعيشي ، و رواتب ضئيلة في الأصل ، تتأخر لأشهر حتى تفقد قيمتها قبل أن تصل إلى صاحبها .

يأتي العيد، و العامل لا يزال ينتظر راتبه الذي لا يكفي أصلاً لشراء كيس دقيق .. يأتي العيد، فيجد نفسه عاجزاً عن إدخال الفرح إلى بيته ، لا لأنه لا يريد ، بل لأن يده مغلولة ، و ظهره مثقل ، و صوته لا يسمعه أحد .
فأي كرامة تبقى لرجل يُطلب منه أن يفرح و أطفاله يسألونه عن سبب انطفاء البيت ؟

إن العيد ليس يوماً للاستهلاك ، بل محطة لاختبار المعنى .. لكن أي معنى يبقى حين يتحول العيد إلى تذكير قاسٍ بالعجز ؟ و أي فرح يُرتجى حين يكون رب الأسرة مضطراً لأن يشرح لأطفاله لماذا لن يذبحوا كبش العيد ، و لماذا لن يلبسوا ثوباً جديداً كأقرانهم ؟

إن استمرار هذا الحال ليس مجرد أزمة اقتصادية ، بل أزمة أخلاقية و سياسية و إنسانية .. أزمة تُسائل الدولة و المجتمع معاً : كيف نسمح لعيدٍ اسمه ” الأضحى ” أن يمر على الناس و هم يُذبحون يومياً بسكين الغلاء و العجز و التجاهل ؟
فإذا سكتنا اليوم، فغداً سنسكت على ما هو أعظم ، حتى يصبح الصمت عادتنا ، و الحرمان قدرنا .

أن العيد الحقيقي لا يُقاس بكثرة الذبائح ، بل بكثرة القلوب المجبورة ، و ما قيمة المظاهر إذا كانت النفوس مكسورة ؟ و ما نفع التكبيرات إذا كانت تخرج من حناجر جائعة و صدور مثقلة بالهم و الألم ؟
حين يغيب العدل في توزيع الأرزاق، يغيب معنى العيد من جذوره، و يصبح مجرد تقليد يُؤدى بلا روح .

إن عيد الأضحى هذا العام يأتي ليقول الحقيقة بلا مواربة : إن الأمة التي لا تقدر على إدخال البسمة إلى بيت الفقير ، لن تقدر على حفظ هيبتها أمام نفسها و لا أمام العالم .
فإما أن نعيد للعيد معناه بإعادة الاعتبار للإنسان ، بتثبيت الرواتب ، و كبح جماح الأسعار ، و رد الاعتبار للعملة ، و إما أن نظل نحتفل بطقوس فارغة ، بينما القلوب فارغة ، و البيوت مظلمة ، و الأطفال يحفظون ملامح الحزن قبل أن يحفظوا تكبيرات العيد .

العيد فرصة لا تتكرر إلا مرة في العام . فإن ضاعت هذه المرة ، فليس العيب في العيد، بل فينا نحن .
اللهم اجعل هذا العيد فاتحة فرج، لا فاتحة وجع ، و ردّ إلينا معنى الفرح الذي سُرق من بيوتنا .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى