اراء واقلام

حين يصبح الأمسُ أرحمَ من الغد

في هذه اللحظات، حين يهدأ ضجيج الحياة وتخلو النفس إلى ذاتها، تقفون أمام مرآة الأيام تُراجعون ما مضى، وتحاولون أَنْ تجمعوا ما تبقى من شتات الصبر.

وتهمسون لأنفسكم في كل مرة: غداً سيكون أفضل، غداً سينجلي الهم، وغداً سيجبر اللَّه كسرنا.

لكن الغد قد يأتي أحياناً على غير ما تُمنّون، فيحمل ابتلاءً جديداً أو عبئاً أثقل من سابقه، فتجدون أنفسكم أمام واقعٍ أشد قسوة. عندها تلتفتون إلى الأمس الذي شكوتم منه يوماً، فتجدونه أرحم مما تعيشونه اليوم، وتقولون في صمت: لقد كان الأمس أهون.

إنها مفارقة إنسانية تتكرر؛ فالألم لا يُدرك بكامل ثقله إلا حين يُستبدل بغيره، والذاكرة لا تحتفظ بكل تفاصيل المعاناة، بل تُخفف حدتها مع مرور الزمن، حتى يبدو الماضي أقل قسوة مما كان. وهكذا يظن الإنسان أنَّ الأمس كان أجمل، لا لأنه خلا من الألم، بل لأنه أصبح بعيداً.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الثابتة أنَّ هذه الدنيا ليست دار قرار ولا موطن راحة، بل هي دار ابتلاءٍ وامتحان. فلا يستقر فيها سرور، ولا يدوم فيها حزن. وكما يعقب الليلُ الفجر، فإن لكل ضيقٍ فرجاً، ولكل محنةٍ حكمةً قد لا تتكشف إلا بعد حين.

وحين يشتد بكم التعب، لا تنسوا أنَّ اللَّه معكم في الغد كما كان معكم في الأمس، وأنَّ تأخير الفرج ليس حرماناً، بل إعدادٌ لما هو خيرٌ لكم، وإن خفيت حكمته. فكم من أمرٍ رغبتم فيه ثم تبين أنَّ الخير كان في تأخيره أو صرفه، لأن علم اللَّه أوسع من رغباتكم، وحكمته أعمق من إدراككم.

فلا تيأسوا إن أثقلتكم الأيام، ولا تظنوا أنَّ الغد قد أغلق أبوابه. فلعل أجمل الأقدار لم تُكتب بعد، ولعل دعوةً صادقة في جوف الليل، أو دمعةً خفية، أو صبراً جميلاً، تكون سبباً في فتح أبوابٍ من رحمة اللَّه لم تخطر لكم على بال.

وقبل أَنْ تُغلقوا صفحات الأمل، تذكّروا دائماً: حين يُثقِلُ الغدُ قلوبَنا… تذكَّروا أنَّ اللَّه معكم. فاهدأوا قلوبكم، وأحسنوا الظن بربكم، وامضوا بيقين المؤمنين القائلين:

اللهُمَّ إنَّ كان القادمُ من أيامنا يحمل ما يُثقل قلوبنا، فخفِّفه علينا بلطفك، وإنْ كان ما مضى من عمرنا قد ترك فينا جراحاً، فاجعله عبرةً تُقوِّينا لا حسرةً تُتعبنا. اللهُمَّ اجبر كسر قلوبنا، وبدّل خوفنا طمأنينة، واجعل ما هو آتٍ من حياتنا خيراً مما مضى، وافتح لنا من أبواب رحمتك وفضلك ما تقرّ به أعيننا، إنك على كل شيء قدير.

قاضي أنيس صالح جمعان
القاضي انيس جمعان
١٩ يونيو ٢٠٢٦م

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى