اراء واقلام

التسويات والترقيات العلمية.. استحقاقات مؤجلة أم وعود تنتظر التنفيذ؟

بقلم: د. غسان ناصر عبادي
– ارشيف الكاتب
السبت، 12 محرم 1448ه
الموافق 27 يونيو 2026م

استقبل الموظفون المدنيون والأكاديميون في المحافظات المحررة قرارات الحكومة الأخيرة بقدر من الارتياح، بعد الإعلان عن اعتماد زيادة بنسبة (20%) لمواجهة غلاء المعيشة، وصرف العلاوات السنوية المتراكمة للأعوام (2021–2025)، إلى جانب الإعلان عن إطلاق التسويات الوظيفية والترقيات العلمية بأثر مالي، باعتبارها حقوقًا قانونية طال انتظارها.

ورغم أهمية هذه الإجراءات، إلا أن فرحة الموظفين لم تكن مكتملة، في ظل استمرار التدهور الحاد في القوة الشرائية للرواتب نتيجة الارتفاع المتسارع في الأسعار، وما قد يترتب على رفع الدولار الجمركي من أعباء معيشية إضافية، فبعد أن كان راتب عضو هيئة التدريس الجامعي قبل الحرب يعادل نحو (1200) دولار أمريكي، تراجع اليوم إلى ما يقارب (150) دولارًا فقط، وهو مؤشر واضح على حجم التآكل الذي أصاب دخول الموظفين خلال السنوات الماضية.

وجاء إعلان وزارة الخدمة المدنية قبل أيام باعتماد صرف زيادة غلاء المعيشة والعلاوات السنوية مع راتب شهر يوليو ليبعث الأمل مجددًا، غير أن قرار تأجيل تنفيذ التسويات الوظيفية والترقيات العلمية إلى ما سُمِّي بـ”المرحلة الثانية” شكّل صدمة حقيقية للموظفين والأكاديميين، خصوصًا في ظل غياب أي جدول زمني واضح يحدد موعد تنفيذ هذا الاستحقاق.

وتزداد علامات الاستفهام حول هذا التأجيل إذا ما علمنا أن ملف الترقيات العلمية قد استوفى معظم إجراءاته النظامية، حيث استكملت الجامعات جميع المتطلبات التي طُلبت منها، وتبادلت المراسلات مع وزارتي الخدمة المدنية والمالية، وأُنجزت الفتاوى والإجراءات القانونية، كما رُفعت أسماء الأكاديميين وبياناتهم وعناوين أبحاثهم أكثر من مرة استجابةً لمختلف الطلبات، رغم أن منح الترقيات العلمية يُعد اختصاصًا أكاديميًا أصيلًا تمارسه الجامعات وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة للتعليم العالي.

ومن هنا، فإن تأجيل هذه الاستحقاقات بعد الإعلان الرسمي عنها يثير تساؤلات مشروعة لدى الموظفين والأكاديميين الذين كانوا يعولون عليها في تحسين أوضاعهم المعيشية، لا سيما وأنها ليست منحة أو امتيازًا استثنائيًا، وإنما حقوق وظيفية وقانونية تراكمت لسنوات، وكان من المقرر صرفها بأثر مالي رجعي يعيد جزءًا من حقوقهم المستحقة.

إن المرحلة الراهنة تتطلب تعزيز الثقة بين الدولة وموظفيها من خلال الالتزام بتنفيذ ما يُعلن عنه، وتسريع استكمال إجراءات التسويات والترقيات العلمية دون مزيد من التأجيل، بما يعكس احترام الحقوق الوظيفية ويعزز الاستقرار المؤسسي، خاصة في قطاع التعليم العالي الذي يمثل أحد أهم ركائز بناء الدولة والتنمية.

ومن هذا المنطلق، فإننا نناشد مجلس القيادة الرئاسي، ودولة رئيس مجلس الوزراء، ووزارتي الخدمة المدنية والمالية، سرعة اعتماد وإطلاق التسويات الوظيفية والترقيات العلمية وفقًا لما أُعلن عنه سابقًا، وإنصاف الموظفين والأكاديميين الذين تحملوا سنوات طويلة من تراجع الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة.

كما نأمل أن تُقترن أي سياسات اقتصادية، وفي مقدمتها رفع الدولار الجمركي، بإجراءات حقيقية لتحسين دخول الموظفين، حتى لا تتحول الزيادات المعلنة إلى أرقام تلتهمها موجات الغلاء، ويبقى الموظف هو من يدفع الثمن الأكبر في معادلة الاقتصاد والمعيشة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى